محمد العربي الخطابي
307
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
القسمة أبدا ممكنة إلى ما لا نهاية في كلّ واحدة من الدرجات لأنك لو شئت أن تقسّم كلّ جزء من هذه الثلاثة الأقسام على ثلاثة أقسام أيضا لوجدت كلّ قسم منها قد خالف صاحبه في الحرارة والرطوبة أو البرودة واليبوسة على حسب الدرجة التي قسمتها ، ولو شئت أيضا أن تفعل ذلك إلى ما لا نهاية لصحّت لك القسمة وثبتت التجربة إذ يخالف كلّ قسم منها صاحبه في الزيادة والنقصان ، لكنّ القسمة الأولى كانت قريبة من الاعتدال قربا أكثر مما إذا قلت دواء في وسط الدرجة الأولى ، وما كان في وسط الدرجة الأولى أقرب إلى الاعتدال مما كان في آخرها لأنّ ما كان في آخر الدرجة الأولى قد قارب الدرجة الثانية وتباعد عن الاعتدال ، وعلى هذا القياس احمل قياسك في سائر الدرجات ، ولم ير بعض الأطبّاء الزيادة في هذه القسمة . وصفة ثانية في هذا المعنى - أعني في استخراج قوى الأدوية المفردة واستنباطهم درجها - وذلك من الدواء إذا لقي البدن المعتدل فإنه إما أن يكون شبيها بمزاج البدن الذي يلقاه فلا يسخّنه ولا يبرّده ولا يجفّفه ولا يرطّبه فيدلّ ذلك على أن الدواء معتدل بين جميع الكيفيات يعرف بها وينسب إليها ، فليس يجب في ما هذا سبيله أن يسمّى لا يابسا ولا رطبا ولا يسمّى أيضا حارّا ولا باردا ، وإنما يجب أن يسمّى معتدلا فقط ، وإما أن يكون ذلك الدواء غير شبيه بالبدن الذي يلقاه فيكون أيبس منه أو أشدّ حرا منه أو أبرد أو أرطب ، فإن ذلك يسمّى باسم مشتقّ من الكيفية الغالبة عليه ، ولهذا بحث الأوائل على أمر الأدوية وجعلوا لكلّ واحد مما يغلب عليه شيء من هذه الكيفيات الأربع درجات ، ولكلّ درجة ثلاثة مواضع كما بيّنا آنفا ، وقالوا : ما غيّر البدن المعتدل ولم يبالغ في تغييره ، وبيان ذلك التغيير بيانا ظاهرا ولا علم إلا ببرهان ، فذلك الدواء في الدرجة الأولى ، وما غيّره تغييرا بيّنا وليس بالشديد فهو في الدرجة الثانية ، وما غيّره تغييرا في الغاية القصوى وأفسده جملة فهو في الدرجة الرابعة ، وأما البارد فبأن يخدّر ويسكت ويسبت ، وأما الحارّ فبأن يحرق ويلهب . وإذ بلغنا إلى ما أردناه من تحقيق الوجوه التي منها وقف الأوائل على طبائع الأدوية المفردة وكيفية استنباطهم لدرجاتها باختصار وإيجاز فنحن محتاجون الآن إلى طبائع المركّبات وإدخالها تحت قوانين الدرجات ، وهذا لا يتمّ ولا يتحقّق إلا بعد معرفة طبائع المفردات وتحقيق درجاتها بالقياس والتجربة - على ما بيّنا من أقاويل الأوائل - ومن الناس كثير ممن يدّعي تركيب النّسخ وتأليفها وإقامة البرهان على طبائعها ودرجاتها ، فإذا